ابن أبي أصيبعة
310
عيون الأنباء في طبقات الأطباء
أو نقصان . وبهذا يتبين لك متى تصفحت كتب التواريخ ، لا سيما متى وقفت على كتاب الأزمنة ، الذي عمله مار الياس مطران نصيبين « 1 » ، فإنه قد كشف الخلف الذي بين التواريخ العتيقة والحديثة ، وأوضح وكشف وأبان ذلك أحسن بيان ، يجمعه لجملها في صدر كتابه وإيراد تفاصيلها ، وتنبيهه على مواضع الخلاف فيها ، والزيادات والنقصان ، وذكر أسبابها وعللها . ووجدت تاريخا مختصرا لهارون بن عزور الراهب ، ذكر فيه أنه اعتبر التواريخ ، وعول على صحتها . ورأيته قد كشف بعض اختلافها وعلل ذلك بعلل مقنعة ، وأورد شاهدا على صحتها . وذكر هذا الراهب في تاريخه ، أن جميع السنين من آدم إلى ملك دارا بن سام ، وهو أول ظهور الإسكندر ذو القرنين ، خمسة آلاف ومائة وثمانون سنة وعشرة أشهر ، على موجب [ التاريخ ] « 2 » الذي عند اليونانيين . وهو تاريخ التوراة المنقولة إلى اليونانيين ، قبل ظهور المسيح بمائتى سنة وثمان وسبعين سنة ، وذلك في زمان قليديقوس الملك . لأنه كان حمل إلى اليهود « 3 » هدايا حسنة ، لما سمع أن عندهم كتبا منزلة من عند اللّه تعالى على ألسنة الأنبياء . وكان من جملة ما حمل ، مائدتان من ذهب مرصعتان « 4 » بالجواهر ، لم ير أحسن منها . وسألهم عن الكتب التي في أيديهم ، وأعلمهم أنه يختار أن يكون عنده نسختها . فكتبوا جميع الكتب التي كانت عندهم لليهود ، من التوراة والأنبياء وما جرى مجراها ، في أوراق من فضة بأحرف من ذهب ، على ما نسبه الراهب إلى أوسابيوس القيسراني « 5 » . فلما وصلت إليه استحسنها ولم يفهم ما فيها ، فأنفذ إليهم « 6 » يقول : أي فائدة من كنز مستور لا يظهر ما فيه ، وعين مسدودة لا ينضح
--> ( 1 ) نصيبين ( Wisileis ) : مدينة من بلاد الجزيرة بالعراق ، على جادة القوافل . من موصل إلى الشام . تقع في جانب دجلة العزبى . وصفها ابن حوقل وقال هي أجل بقاع الجزيرة وأحسنها ، وهي من أطيب المدن . [ ياقوت ، معجم البلدان ج 5 ، ص 288 ، كوركيس ، بلدان الخلافة الشرقية ص 124 ] . ( 2 ) في الأصل « تواريخ » والتصحيح من ج ، د . وهكذا كلما تكرر اللفظ . ( 3 ) في ج ، د « اليهودية » . ( 4 ) في الأصل ، ج ، د « مرصعة » والمثبت أصح . ( 5 ) في ج ، د « القيعدانى » . وهو [ أوسيبوس ] : 263 م - 339 م . مؤرخ يوناني بفلسطين ، واختير أسقفا لقيصرية ( 314 - 339 م ) . اشتبك في جدال عنيف مع خصوم مذهب أريوس الديني . وقد ترجم يرونم الترجمان المعروف باسم القديس ايرونم [ ت 420 م ] ببيت لحم كتاب : ( قروانقة أو قرانقة Chronica ) من اليونانية إلى اللاتينية عن أوسابيوس « يوسبيوس » القيسراني ، وزاد فيه كثيرا . فأصبح مرجعا رئيسيا للأحداث التاريخية القديمة . [ ابن جلجل ، طبقات الأطباء والحكماء ، تحقيق الأستاذ فؤاد سيد ، طبعة المعهد العلمي الفرنسي للآثار الشرقية بالقاهرة 1955 ، ص 3 ] ( 6 ) في ج ، د « إليه » .